سيد محمد طنطاوي
224
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قلت : أما الإضافة فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة التي يفضل عليها ، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل . كقولك : الأشج أعدل بنى مروان . وأما التفضيل فإيذان بأن السيئ الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة ، هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية ، والحسن الذي يعملونه هو عند اللَّه الأحسن لحسن إخلاصهم فيه ، فلذلك ذكر سيئهم بالأسوإ ، وحسنهم بالأحسن « « 1 » . ثم بين - سبحانه - عصمته لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم بأبلغ وجه وأتمه فقال * ( أَلَيْسَ اللَّه بِكافٍ عَبْدَه ، ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِه ) * . وقراءة الجمهور : * ( عَبْدَه ) * بالإفراد وقرأ حمزة والكسائي : عباده ، والاستفهام للتقرير . قال القرطبي : وذلك أنهم خوفوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم مضرة الأوثان فقالوا له : أتسب آلهتنا لئن لم تنته عن ذكرها لتصيبنك بالسوء . وقال قتادة : مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس ، فقال له سادنها : أحذرك منها يا خالد ، فإن لها شدة لا يقوم لها شيء . فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها ، وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلم لأنه هو الذي أرسله . ويدخل في الآية تخويفهم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم بكثرة جمعهم وقوتهم . . « « 2 » . والمعنى : أليس اللَّه - تعالى - بكاف عبده محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلم من كل سوء ؟ وكاف عباده المؤمنين الصادقين من أعدائهم ؟ بلى إنه - سبحانه - لعاصم نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم من أعدائه ، ولناصر عباده المتقين على من ناوأهم . والحال أن هؤلاء المشركين يخوفونك - أيها الرسول الكريم - من أصنامهم التي يعبدونها من دونه - تعالى - ، مع أن هذه الآلهة الباطلة أتفه من أن تدافع عن نفسها فضلا عن غيرها . * ( ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه ) * أي : من يضلله اللَّه - تعالى - * ( فَما لَه مِنْ هادٍ ) * يهديه إلى الصراط المستقيم . * ( ومَنْ يَهْدِ اللَّه ) * أي : ومن يهده اللَّه - تعالى - إلى طريق الحق والصواب . * ( فَما لَه مِنْ مُضِلٍّ ) * أي : فما له من أحد كائنا من كان يستطيع إضلاله .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 128 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 258 .